26 ديسمبر 2017

التفكيكية

منقول

التفكيكية  ـ  منقول

لا يمكن أن نتحدث عن ما بعد الحداثة من غير أن نمر على "جاك دريدا"بوصفه الأب الروحي للموقف التفكيكي (التشريحي) والعراب الذي يقف وراء طغيان هذا الموقف على الأوساط الفكرية ،

بؤرة "التفكيكية" تتركز في اعتبار الحقيقة مفهوم نسبي يعتمد على موقف المثقف وإطاره المعرفي الذي ينطلق منه،المثقف الذي لن يكون محايدا أبدا،مثله مثل "الكاهن" الذي يرى بنور الله،أو البرجوازي الذي يرى بعيون الشيطان (المال)،أو السياسي الذي لا يرى أصلا ،،
الكل يعتقد أن أحكامه ترتكز إلى مقدمات منطقية،ومقنعة أيضا ،،

كيف تعرّف مصطلحاً ؟
إنك وأنت تحاول أن تعرف أي مفهوم فإنك تلجأ إلى "تحريك" اللغة الساكنة وتستنجد بألفاظ لها روح "حيوية" تمكنك من إيصال الفكرة ، وهنا تكمن المشكلة ،
"تحريك" و "حيوية" ، تأمل هاتين الكلمتين ،
إذن هناك حركة ، ونبض ، وقفز ، ونشاط ،  
هناك باختصار "لَعِب" ، وهناك لعبة ،
نحن لا نتكلم باللغة ، وإنما نلعب بها ،

ولذلك فإن العلاقة بين اللغة والحقيقة ليست موجودة ، وحتى إن وجدت،فإنها ليست محل ثقة،لأن بنية اللغة هي في نهايتها تصور ثقافي متوارث،وليست سوى ذلك،

إن دريدا لا يخوض في البحث عن تفسير "صحيح"، إنه يرى تفاسير مختلفة،تناولتها الأيدي بالتزييف والتحريف،فقد يكون التزييف بإضفاء هالة خارقة كَـأنَ يعبر عن النص بمرجعيته لإله مثلا،، أو باللجوء لمصطلحات مقبولة،وفي نفس الوقت غامضة،مثل "المنطق" ،،أو "الإنسانية"،
وغالبا ما تنصب عملية التزييف هذه من أجل أن تحقق مرجعيةً تمارِسُ نوعا من التنظيم للخطاب الفكري والثقافي،والأهم من ذلك تتولى هذه المرجعية ترسيخَ العلاقات بين الكلمة ودلالاتها بطريقة جامدة،

علينا أن نتذكر أن دريدا لا يقول أن العلاقة بين الكلمة ودلالتها خطأ ، وإنما ينتقد أن يكون للكلمة دلالة معروفة،
وسبب ذلك أن الكلمة التي لها دلالة،تتكئ في دلالتها على كلمات أخر ومفاهيم تعتمد النسبية ،،

حسب رأي دريدا،أن منهج التفكيك هو الوحيد الذي يكفل تقويض ثقتنا في الأشياء المألوفة سياسيا وأخلاقيا ومنطقيا،
وبما أننا مأسورون في قفص النظام اللغوي،ولا فكاك من قبضته ، فالكلمات،وما يتبعها من "معلومات" و"معرفة" و"حكمة" لابد أن تفسر من خلال ارتباطها بالأنظمة الفكرية والثقافبة التي نبعت منها، وبالتالي لا يمكن لها أن تعبر عن الحقيقة كما نرغب.
"الكلمة" هي مجرد شفرة حفرت دلالاتها في اللاوعي الإنساني،والمعاني بذلك ليس لها وجود!

فقط أن ندرك أن الحقيقة شكل من أشكال الخيال،وأننا لا نعيش الحقيقة بقدر ما نعيش داخل تصوراتنا لها،
القراءة –تصبح بهذا- نوعا من عدم القراءة،والفهم ليس إلا سوء فهم،

إذا اعتمدنا هذا التصور سنجد أن التراكمات الفكرية التي تمخضت عن نظم اجتماعية،، وهوية إنسانية،، وحضارة،ومفردات كبيرة أخرى نشأت في الأصل "بترَكيب" بعضها فوق بعض بطريقة لا تقبل التبرير أبدا.
طريقة "التركيب" -وحدها- هي التي أفرزت لنا هذه المفاهيم،ولو تم تركيب الأفكار بطريقة أخرى لخرجت لنا نفس المفاهيم ولكن لتدل على معان أخرى مختلفة تماما.

وجد أتباع دريدا أنفسهم بعد أن تغلغلت هذه الأفكار في نسيجهم الثقافي مدفوعين تلقائيا لصنع نظريات إعادة كتابة التاريخ و ما صاحبها من موت المؤلف.
التاريخ أصبح مجرد رواية قيدت نفسها بالأساطير والقصص والخرافات والاستعارات، فمصادر هذه الرواية في نظرهم –مهما كان حيادها وموضوعيتها- كانت منهمكة في صنع حبكة روائية من نصوص وأحداث متسلسلة.
من حق كل مؤرخ أن يروي لنا قصته،ويختمها بـ "تمت"،وليس لأحد أن يطالبنا بعد ذلك أن نعد ما رواه لنا هو "القصة"،حتى ولو كان هو (أو هي) يرمي إلى ذلك.

نعم ،ستكون لنا روايات بعدد المؤرخين،وستتنافس فيما بينها، ولأننا لا نملك العودة للماضي لاستكشاف الحقائق،فلن يتبقى لنا إلا أن نتعايش مع الروايات المتصارعة بمبدأ النسبية، حيث لا اعتقاد هو "أفضل" من اعتقاد آخر"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق